الذهبي
49
سير أعلام النبلاء
نفعا ، وأشدهم ورعا ، وأكثرهم صبرا على التعليم . وكان داعية إلى السنة ، أقام بدمشق مدة يعلم الفقراء ويقرئهم ، ويطعمهم ، ويتواضع لهم ، كان من أكثر الناس تواضعا ، واحتقارا لنفسه ، وخوفا من الله ، ما أعلم أنني رأيت أشد خوفا منه . وكان كثير الدعاء والسؤال لله ، يطيل السجود والركوع ، ولا يقبل ممن يعذله ، ونقلت له كرامات . ثم قال الضياء : لم أر أحدا أحسن صلاة منه ولا أتم ، بخشوع وخضوع ، قيل : كان يسبح عشرا يتأنى فيها ، وربما قضى في اليوم والليلة صلوات عدة ، وكان يصوم يوما ، ويفطر يوما ، وكان إذا دعا كان القلب يشهد بإجابة دعائه من كثرة ابتهاله وإخلاصه ، وكان يمضي يوم الأربعاء إلى مقابر باب الصغير عند الشهداء ، فيدعو ويجتهد ساعة طويلة . ومن دعائه المشهور : " اللهم اغفر لأقسانا قلبا ، وأكبرنا ذنبا ، وأثقلنا ظهرا ، وأعظمنا جرما " . وكان يدعو : " يا دليل الحيارى دلنا على طريق الصادقين ، واجعلنا من عبادك الصالحين " . وكان إذا أفتى في مسألة يحترز فيها احترازا كثيرا . قال ( 1 ) : وأما زهده ، فما أعلم أنه أدخل نفسه في شئ من أمر الدنيا ، ولا تعرض لها ، ولا نافس فيها ، وما علمت أنه دخل إلى سلطان ولا وال ، وكان قويا في أمر الله ، ضعيفا في بدنه ، لا تأخذه في الله لومة لائم ، أمارا بالمعروف ، لا يرى أحدا يسئ صلاته إلا قال له ( 2 ) وعلمه .
--> ( 1 ) الكلام كله للشيخ الضياء . ( 2 ) في الأصل : " وله " وليس بشئ .